علي أكبر السيفي المازندراني
77
دروس في القواعد التفسيرية ( الحلقة الثانية ، القسم الأول )
« وما أرسلنا من رسول إلّا بلسان قومه ليبيّن لهم » ( 1 ) ، بل يُفهم من قوله : « ليبيّن لهم » أنّ تبيين أحكام الشريعة وتفهيم المعارف الدينية . وتبليغ الرسالة الإلهية من جانب الأنبياء عليهم السلام لا يتحقق إلّا بلسان قومهم . وهذا أمر وجداني لا ريب فيه ، فإنّ كل قوم لا يفهمون إلّا ما كان من الكلام والبيان بلسانهم . فإنّ العربي ، كما لا يفهم لسان الفارسي ولا التركي ولا الرومي ولا بالعكس ، كذلك لا يفهم الناس ما كان من الكلام بغير لسان البشر مما لا يتداول التكلّم به بين الناس . نعم قد يتّفق في شريعة استعمال بعض الألفاظ في معاني مخترعة في تلك الشريعة مناسبة لمعانيها اللغوية ، كالصلاة والصوم والحج في شرعنا . وأما ما لا يناسب أيّة لغة بوجهٍ ، لم يعهد استعماله في القرآن المجيد ، بل ولا في ساير الكتب السماوية ، كما دلّ عليه الآية المزبورة . وأما رموز القرآن ، فلم تستعمل لبيان المعارف والأحكام . بل هي رموز واشارةٌ لأهلها الذين هم الراسخون في العلم . وعليه فاللسان الذي انزل عليه القرآن ليس إلّا لسان قوم - العرب المبتني على اللغات والقواعد العربية - ، كما دلّ عليه بالصراحة قوله تعالى : « هذا لسان عربي مبين » ( 2 ) ، وقوله : « نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين » ( 3 ) ، وقوله : « إنّا أنزلناه قرآناً عربياً لعلّكم تعقلون » ( 4 ) ، وقوله : « وهذا الكتاب مصدّق لساناً عربياً . . . » ( 5 ) . دعوى مغايرة لسان القرآن مع لسان العرب وأمّا ما يُترائى في القرآن من استعمال بعض اللغات - كالأرض والسماء والاذن والمشيئة والقول ونحوه -
--> ( 1 ) - / إبراهيم : 4 . ( 2 ) - / النحل : 103 . ( 3 ) - / الشعراء : 195 . ( 4 ) - / يوسف : 2 . ( 5 ) - / الأحقاف : 12